أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
311
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
لمعطوف وردّه إلى الماضي ، وأنتج رد الزمخشري أن كلا التقديرين لا يصح . قال الزمخشري : « فإن قلت : هل يجوز أن يكون « وَنَطْبَعُ » بمعنى طبعنا ، كما كان « لَوْ نَشاءُ » بمعنى لو شئنا ، ويعطف على « أَصَبْناهُمْ » ؟ قلت : لا يساعد على المعنى ، لأن القوم كانوا مطبوعا على قلوبهم ، موصوفين بصفة من قبلهم من اقتراف الذنوب والإصابة بها ، وهذا التفسير يؤدي إلى خلوهم من هذه الصفة ، وأن اللّه لو شاء لاتصفوا بها . قال الشيخ : « وهذا الرد ظاهره الصحة ، وملخصه أن المعطوف على الجواب جواب ، سواء تأولنا المعطوف عليه أم المعطوف ، وجواب « لَوْ » لم يقع بعد ، سواء كانت حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره أم بمعنى إن الشرطية ، والإصابة لم تقع ، والطبع على القلوب واقع ، فلا يصح أن يعطف على الجواب ، فإن تؤول « وَنَطْبَعُ » على معنى ونستمر على الطبع على قلوبهم أمكن التعاطف ، لأن الاستمرار لم يقع بعد ، وإن كان الطبع قد وقع » . قلت : فهذا الوجه الأول ممتنع ، لما ذكره الزمخشري . الوجه الثاني : أن يكون نطبع » مستأنفا ومنقطعا عما قبله ، فهو في نية خبر مبتدأ محذوف ، أي : ونحن نطبع ، وهذا اختيار أبي إسحاق ، والزمخشري ، وجماعة . الوجه الثالث : أن يكون معطوفا على « يَرِثُونَ الْأَرْضَ » قاله الزمخشري . قال الشيخ « 1 » : « وهذا خطأ ، لأن المعطوف على الصلة صلة ، و « يَرِثُونَ » صلة للذين ، فيلزم الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي ، فإن قوله : « أَنْ لَوْ نَشاءُ » إمّا فاعل ل « يَهْدِ » ، أو مفعوله كما تقدم ، وعلى كلا التقديرين فلا تعلق له بشيء من الصلة ، وهو أجنبي منها ، فلا يفصل به بين أبعاضها ، وهذا الوجه مؤد إلى ذلك فهو خطأ » . الرابع : أن يكون معطوفا على ما دل عليه معنى « أو لم يهد لهم » ، كأنه قيل : يغفلون عن الهداية ، ونطبع على قلوبهم » . قاله الزمخشري أيضا . قال الشيخ : « وهو ضعيف ، لأنه إضمار لا يحتاج إليه ، إذ قد صح عطفه على الاستئناف من باب العطف على الجمل ، فهو معطوف على مجموع الجملة المصدرة بأداة الاستفهام ، وقد قاله الزمخشري وغيره » . قوله : فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ أتى بالفاء هنا إيذانا بتعقيب عدم سماعهم على إثر الطبع على قلوبهم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 101 إلى 106 ] تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ( 102 ) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 103 ) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 104 ) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 105 ) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 106 ) قوله : تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 352 ) .